سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

219

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

« الوهم يمثل الضعيف قويا والقريب بعيداً والمأمن والمنقذ مهلكاً . الوهم يذهل الواهم عن نفسه ويصرفه عن حسه ، يخيل الموجود معدوماً والمعدوم موجوداً . الوهم في كون غير موجود وعالم غير مشهود يخبط فيه خبط المصروع لا يدري ماذا أدركه وماذا تركه . الوهم روح خبيث يلابس النفس الإنسانية وهي في ظلام الجهل . إذا خفيت الحقائق تحكمت الأوهام وتسلطت على الإرادات فتقود الواهمين إلى بيداء الضلالة فيخبطون في مجاهيل لا يهتدون إلى سبيل ولا يستقيمون على طريق . وإذا كان الوهم مولودا فأبواه « الجبن » ومربيه ومنشئه « الجبن » وهو العلة في إخلاد الجمهور الأعظم من بني الإنسان إلى دنيات المنازل وقصورهم عن الوصول إلى معالي الأمور . و « الجبن » هو الذي يقعد بالنفوس عن العمل وينحدر بها في مزالق الزلل وهو علة العلل ومنشأ يقرن به كل خلل . الجبن هو الذي أو هي دعائم الممالك ، وهو الذي قطع روابط الأمم فحل نظامها وهو الذي أوهن عزائم الملوك فانقلبت عروشهم وأضعف قلوب العالين فسقطت صروحهم ، هو الذي يغلق أبواب الخير في وجوه الطالبين ويطمس معالم الهداية عن أنظار السائرين ويسهل على النفوس احتمال المذلة ويخفف عليها مضض المسكنة ويهون عليها حمل نير العبودية الثقيل ، يوطن النفس على تلقي الإهانة بالصبر والتذليل بالجلد ويوطئ الظهور لأحمال من المكاره والمصاعب أثقل مما يتوهم لو تحلى بالشجاعة والإقدام . « الجبن » يلبس النفس عاراً دون لبسه ، الموت الأحمر عند كل روحٍ زكية وهمة عالية يرى الجبان وعر المذلة سهلًا وشظف العيش في المسكنات نعيماً ، ومن يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام . الجبان يتجرع مرارات الموت في كل لحظة ولكنه راض بكل حال وإن لم يبق له إلا عين تبصر الأعداء وترى الأحياء ونفس لا يصعد إلا بالزفير والصعداء وإحساس لا يلم إلا بألم الحر واللأواء . « هذه حياته أضاع كل شيء في القناعة بلا شئ ! وهو يظن أنه أدرك مبتغاه وحصل على ما يتمناه . الجبن انخذال في النفس عن مقاومة كل عارض لا يلائم حالها وهو مرض من الأمراض الروحية يذهب بالقوة الحافظة للوجد التي جعلها اللَّه ركنا من أركان الحياة الطبيعية وله أسباب كثيرة لو لوحظ جوهر كل منها لرأينا جميعها يرجع إلى الخوف من الموت .